العنف والجريمة والصحة النفسية في صلب النقاش حول حماية السلم الأهلي في فلسطين
مؤتمر الوساطة الثالث يوصي بتطوير منظومة وطنية متكاملة للإصلاح المجتمعي والوقاية من العنف
ناقشت الجلسة الأولى من مؤتمر الوساطة الثالث في فلسطين، المنعقد تحت عنوان «الوساطة والسلم الأهلي في فلسطين: تحديات العنف، دور الشباب، وآفاق الإصلاح المجتمعي»، سبل مواجهة تداعيات العنف والجريمة والصدمات النفسية على السلم الأهلي واستقرار الأسرة الفلسطينية، وطرحت مجموعة من التوصيات الرامية إلى تطوير منظومة وطنية متكاملة تجمع بين الصلح المجتمعي والوساطة المهنية والعدالة التصالحية وإنفاذ القانون والحماية النفسية والاجتماعية.
وجاءت الجلسة بعنوان «العنف والجريمة وأثرهما على السلم الأهلي»، وأدارها الدكتور رياض شريم، الأكاديمي والباحث في الفلسفة وعلم الاجتماع السياسي، بمشاركة الدكتور جمال الدرعاوي، عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي والإصلاح في فلسطين، والمحامي الدكتور ياسر العمور، الخبير في الوساطة والسلام المجتمعي ومؤسس مراكز الوساطة في النقب، والدكتورة عبير المشهراوي، الاختصاصية والاستشارية في الصحة النفسية.
الصلح العشائري والإصلاح المجتمعي: نحو منظومة وطنية أكثر تكاملًا
تناول الدكتور جمال الدرعاوي الصلح العشائري ودوره في حل النزاعات، مؤكدًا أهمية تطوير التجارب القائمة والبناء عليها للوصول إلى منظومة وطنية أكثر وضوحًا وتكاملًا للسلم الأهلي والإصلاح المجتمعي، بما يعزز قدرة المجتمع على احتواء الخلافات والحفاظ على التماسك الاجتماعي.
وفي هذا السياق، دعت التوصيات إلى تشكيل مجلس وطني للسلم الأهلي والصلح المجتمعي، يضم الجهات ذات العلاقة، بما فيها المؤسسات النسوية، ويعمل على تعزيز الوحدة المجتمعية وترسيخ ثقافة الحوار وتطوير آليات التدخل المبكر لمنع تصاعد النزاعات. كما أكدت أهمية التكامل بين لجان الإصلاح التقليدية ومراكز الوساطة المهنية والمؤسسات المجتمعية، بما يتيح الاستفادة من التجارب القائمة وتطويرها ضمن إطار أكثر تنظيمًا وفاعلية.
مكافحة الجريمة المنظمة: من الاستجابة الأمنية إلى الوقاية المجتمعية
من جانبه، استعرض المحامي الدكتور ياسر العمور تجربة الداخل الفلسطيني في مواجهة الجريمة المنظمة، مسلطًا الضوء على ضرورة الانتقال من المبادرات والاستجابات المنفصلة إلى مقاربة مؤسسية ومجتمعية متكاملة، تتوزع فيها المسؤوليات بين الجهات الرسمية والسلطات المحلية ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز الوساطة ولجان الإصلاح.
وأكدت التوصيات المرتبطة بهذا المحور ضرورة وضع مكافحة الجريمة المنظمة وحماية المواطنين ضمن الأولويات الحكومية، وتطوير قدرات التحقيق الجنائي وحماية الشهود والمتضررين، ومكافحة انتشار السلاح غير القانوني، وضمان تطبيق القانون بمهنية ومساواة، إلى جانب تعزيز الرقابة والمساءلة والشفافية. كما شددت على أهمية معالجة الفجوات في التخطيط والسكن والتعليم والتشغيل والبنية التحتية، باعتبارها جوانب أساسية في سياسات الوقاية طويلة المدى.
وفي مجال تسوية النزاعات، دعت التوصيات إلى تطوير نموذج تكاملي يجمع بين الصلح المجتمعي التقليدي والوساطة المهنية والعدالة التصالحية، مع احترام دور القانون والقضاء، وتوسيع إنشاء مراكز الوساطة والحوار داخل السلطات المحلية، وتأهيل الوسطاء والمصلحين وفق معايير مهنية تضمن الحياد والسرية والموافقة الحرة وحماية الأطراف. كما أكدت ضرورة تطوير التدخل المبكر في النزاعات الأسرية والمجتمعية والمدرسية، ووضع ضوابط تمنع استخدام الصلح أو الوساطة للتغطية على الجرائم الخطيرة أو الضغط على الضحايا للتنازل عن حقوقهم.
وشملت المقترحات تعزيز دور المجتمع المدني في الرقابة على السياسات العامة والمطالبة بالمساواة وإنفاذ القانون، وبناء تحالف مجتمعي مستدام لمواجهة العنف ودعم عائلات الضحايا والمصابين والفئات المعرضة للخطر. كما دعت إلى تمكين الشباب بوصفهم شركاء في بناء السلم الأهلي، من خلال تطوير مبادرة «الوسيط الشاب» أو «مرشد الصلح»، وتأهيل مجموعات شبابية لنشر ثقافة الحوار والإصلاح داخل المدارس والأحياء والمؤسسات الشبابية، بإشراف مهني.
وفي الجانب التطبيقي، طُرحت ثلاثة نماذج لمبادرات قابلة للتطوير محليًا، هي «بلدة آمنة بالحوار»، لتعزيز الشراكة المحلية في الوقاية من النزاعات؛ و«مدرسة تبني السلم الأهلي»، لترسيخ مهارات الحوار والوساطة وإدارة الخلافات؛ و«مجتمع يسند ضحاياه»، لتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والحقوقي والاقتصادي لعائلات ضحايا العنف والمصابين، مع اهتمام خاص بالأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين والأشخاص الذين يعانون إعاقات أو آثارًا نفسية مستمرة.
كما دعت التوصيات إلى تطوير إطار فلسطيني تكاملي لبناء السلم الأهلي والوقاية من العنف، يقوم على ثلاثة مستويات مترابطة: الحماية والمساءلة وإنفاذ القانون؛ والوقاية وتسوية النزاعات من خلال الوساطة ولجان الإصلاح والعدالة التصالحية والتدخل المبكر؛ وبناء المناعة المجتمعية عبر التعليم وتمكين الشباب ودعم الأسرة والتنمية المحلية والعمل المدني وتعزيز الثقة والتماسك الاجتماعي. ولتحويل هذه الرؤية إلى خطوات عملية، أوصت بتشكيل مجموعة متابعة تضم ممثلين عن المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني ومراكز الوساطة ولجان الإصلاح والجامعات والشباب، لإعداد خطة تنفيذية أولية خلال ستة أشهر، واختيار مجتمعات محلية لتطبيق النموذج وتقييمه قبل توسيعه.
الصحة النفسية والصدمات: السلامة والحماية أساس الاستجابة
وفي المحور الثالث، تناولت الدكتورة عبير المشهراوي الصحة النفسية في ظل الصدمات وأثرها على السلم المجتمعي واستقرار الأسرة الفلسطينية، مؤكدة أهمية مراعاة الأبعاد النفسية والاجتماعية عند التعامل مع النزاعات والعنف، وفهم انعكاساتهما على الأفراد والعلاقات الأسرية والتماسك المجتمعي.
وركزت التوصيات المرتبطة بهذا المحور على تطوير نموذج تدخل متكامل ينطلق من مبدأ «السلامة أولًا»، ويربط بين الحماية القانونية للأسرة وخدمات الصحة النفسية وآليات الحماية والعدالة، من خلال نظام إحالة موحد يعزز التنسيق بين الجهات المعنية. كما دعت إلى توفير وحدات وساطة مدرّبة في مراكز الإيواء، وتطوير برامج موجهة للوالدين ومجموعات للرجال، وتقديم خدمات إرشاد تراعي طبيعة الصدمات وآثارها النفسية.
وتؤكد هذه التوصيات أهمية أن تراعي تدخلات تسوية النزاعات ظروف الأطراف واحتياجاتهم النفسية والاجتماعية، وأن تتكامل الوساطة مع إجراءات الحماية والعدالة اللازمة، بما يضمن عدم اختزال التعامل مع العنف في تسوية الخلافات وحدها، بل يشمل أيضًا سلامة المتضررين واحتياجاتهم.
نحو رؤية متكاملة لحماية السلم الأهلي
عكست مخرجات الجلسة أهمية تبني مقاربة شاملة لحماية السلم الأهلي في فلسطين، تجمع بين تطوير منظومة الصلح والإصلاح المجتمعي، ومواجهة الجريمة المنظمة وإنفاذ القانون، وتعزيز الوساطة المهنية والعدالة التصالحية، وتوفير الحماية والدعم النفسي والاجتماعي للأفراد والأسر المتضررة من العنف.
وتأتي هذه الجلسة ضمن أعمال مؤتمر الوساطة الثالث في فلسطين، الذي ينظمه المركز الفلسطيني لتسوية النزاعات (ACT)، في إطار جهوده لتعزيز الحوار والوساطة وتطوير المقاربات المجتمعية للتعامل مع النزاعات، بما يسهم في حماية السلم الأهلي وفتح آفاق أوسع للإصلاح المجتمعي في فلسطين.