من حلّ النزاعات إلى بناء السلام.. مؤتمر الوساطة الثالث في فلسطين يفتح نقاشًا واسعًا حول السلم الأهلي ودور الشباب والإصلاح المجتمعي
رام الله – عندما تصبح النزاعات اليومية أكثر تعقيدًا، لا يعود السؤال فقط كيف نحلّ النزاع، بل كيف نمنع تحوّله إلى عنف، وكيف نبني مساحات للحوار قبل أن تصل الخلافات إلى نقطة يصعب معها التراجع. من هذه الزاوية، جاء مؤتمر الوساطة الثالث في فلسطين تحت عنوان: الوساطة والسلم الأهلي في فلسطين: تحديات العنف، دور الشباب، وآفاق الإصلاح المجتمعي، ليجمع في مساحة واحدة أصواتًا قانونية وأكاديمية ومجتمعية وشبابية لمناقشة موقع الوساطة في الواقع الفلسطيني ومستقبلها.
وجاء المؤتمر في إطار اختتام أعمال مشروع الوساطة كأداة لبناء السلام المجتمعي، ونظّمه المركز الفلسطيني لتسوية النزاعات ACT، بصفته الجهة المنفذة للمشروع والقائم على ترتيبات المؤتمر وتنظيم أعماله، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والقضاة والمحامين والخبراء والوسطاء وممثلي المؤسسات والشباب.
ولم يكن المؤتمر مجرد محطة ختامية لمشروع، بل مساحة لقراءة ما تحقق، ومناقشة ما لا يزال يحتاج إلى تطوير، وطرح أسئلة تتجاوز الوساطة بوصفها آلية لتسوية النزاعات نحو دورها المحتمل في تعزيز السلم الأهلي، والحد من العنف، ودعم الإصلاح المجتمعي وبناء السلام.
من الكلمات الافتتاحية.. إلى سؤال السلم الأهلي
انطلقت أعمال المؤتمر بحضور عدد من الشخصيات الوطنية والقانونية والمؤسساتية، حيث حملت الكلمات الافتتاحية رسالة مشتركة حول أهمية الحوار والوساطة في التعامل مع النزاعات وتعزيز السلم الأهلي.
وشارك في الجلسة الافتتاحية محافظ محافظة رام الله والبيرة د. ليلى غنام، ومحافظ محافظة القدس عطوفة عدنان غيث، ونائب نقيب المحامين الفلسطينيين أ. أحمد العصا، إلى جانب السيدة Stephanie Selg من مكتب التمثيل السويسري، والدكتور محمود أبو صوي، رئيس مجلس إدارة المركز الفلسطيني لتسوية النزاعات ACT والمدير التنفيذي للمركز الفلسطيني لتسوية النزاعات ACT أ. محمد هادية حيث القى كلمة المركز امام الحضور
وعكست الكلمات الافتتاحية أهمية تكامل الأدوار بين المؤسسات الرسمية والقانونية والأكاديمية والمجتمعية، ليس فقط في التعامل مع النزاعات بعد وقوعها، وإنما في بناء بيئة أكثر قدرة على الحوار والوقاية من العنف وتعزيز ثقافة الحلول السلمية.
ومن هنا، انتقل المؤتمر من الحديث عن أهمية الوساطة بصورة عامة إلى مناقشة الأسئلة الأكثر إلحاحًا المرتبطة بالواقع المجتمعي الفلسطيني.
حين يصبح العنف تحديًا للسلم الأهلي
حملت الجلسة الأولى عنوان العنف والجريمة وأثرهما على السلم الأهلي، وأدارها الدكتور رياض شريم، وناقشت العلاقة بين تصاعد مظاهر العنف والجريمة وبين قدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه واستقراره.
وفي هذا السياق، قدّم الدكتور جمال الدرعاوي، عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي والإصلاح، مداخلة حول الصلح العشائري ودوره في حل النزاعات، متناولًا أحد الأطر المجتمعية التي تلعب دورًا في معالجة النزاعات في المجتمع الفلسطيني.
كما تناول المحامي الدكتور ياسر العمور، الخبير في الوساطة والسلام المجتمعي، تجربة الداخل الفلسطيني في مواجهة الجريمة المنظمة، واضعًا التجربة في إطار النقاش الأوسع حول التعامل مع الجريمة وتداعياتها على المجتمع.
ولأن النزاعات والعنف لا تترك آثارها في المجال القانوني أو المجتمعي فقط، انتقل النقاش إلى البعد النفسي والأسري، حيث ناقشت الدكتورة عبير المشهراوي، الاستشارية في الصحة النفسية، عبر تقنية الاتصال المرئي Zoom، موضوع الصحة النفسية في ظل الصدمات وأثرها على السلم المجتمعي واستقرار الأسرة الفلسطينية.
وبذلك وسّعت الجلسة الأولى زاوية النظر إلى السلم الأهلي، لتشمل القانون والمجتمع والأسرة والصحة النفسية، باعتبارها مساحات مترابطة في فهم النزاع وآثاره.
فلسطين وتجاربها في الوساطة.. ماذا تحقق وماذا يحتاج إلى تطوير؟
انتقل المؤتمر في جلسته الثانية إلى الجانب التطبيقي من خلال محور الوساطة في فلسطين: التجارب، التحديات، وآفاق التطوير، التي أدارتها الدكتورة نور عدس، عميدة كلية القانون والعلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية.
وفتحت الجلسة مساحة لاستعراض تجارب الوساطة في عدد من السياقات الفلسطينية، بدءًا من الوساطة القضائية، حيث تناولت القاضية هالة منصور موضوع الوساطة القضائية وآفاق تطوير الوساطة في فلسطين.
ومن غزة، استعرضت الأستاذة سهير البابا تجربة الوساطة في غزة، بما يضيف إلى النقاش منظورًا مرتبطًا بخصوصية الواقع المحلي والحاجة إلى أدوات قادرة على الاستجابة للنزاعات في سياقات مختلفة.
أما القدس، فكانت حاضرة من خلال مداخلة الدكتور محمود أبو صوي، رئيس مجلس إدارة المركز الفلسطيني لتسوية النزاعات ACT، الذي تناول تجربة الوساطة في القدس، في امتداد لدور المركز في العمل على نشر وتطوير الوسائل البديلة لحل النزاعات. ويأتي ذلك ضمن توجه ACT لتعزيز الوساطة كأداة عملية للتعامل مع النزاعات ودعم السلم الأهلي وسيادة القانون.
ولأن بناء منظومة وساطة مستدامة لا يرتبط بالممارسين وحدهم، انتقل النقاش إلى الجامعات والمؤسسات التعليمية.
فقدّم الدكتور عيسى مناصرة، عميد كلية الحقوق في جامعة القدس، مداخلة حول دور الجامعات في تعزيز الوساطة، فيما استعرضت الأستاذة صفاء بلعاوي، مديرة العيادة القانونية في جامعة النجاح الوطنية، تجربة العيادة القانونية في جامعة النجاح، ودورها في تعزيز المعرفة القانونية والمساهمة في إعداد جيل جديد من الحقوقيين والوسطاء.
وهكذا لم تتوقف الجلسة عند سؤال: أين تقف الوساطة اليوم؟، بل فتحت سؤالًا آخر أكثر ارتباطًا بالمستقبل: كيف نبني بيئة قانونية وأكاديمية ومهنية قادرة على تطويرها واستدامتها؟
الشباب لا ينتظرون أن يكونوا جزءًا من المستقبل
في المحور الأخير، انتقل المؤتمر إلى الفئة التي تتجاوز فكرة «المستفيد» لتصبح شريكًا في صناعة الحلول: الشباب.
وتحت عنوان الشباب كوسطاء وبناة السلام المجتمعي، أدارت الأستاذة أماني عاروري، مسؤولة البرامج في الممثلية السويسرية، نقاشًا ركّز على موقع الشباب في مسارات الوساطة وبناء السلام.
وشهد المحور عرض شبكة الوسطاء وبناة السلام المجتمعي في فلسطين بمشاركة ياسمين علاء الدين وأمجد جمعة، بما يسلط الضوء على أهمية بناء شبكات شبابية قادرة على تحويل المعرفة بالوساطة والحوار إلى ممارسة مجتمعية، وعلى تعزيز مشاركة الشباب في الوقاية من النزاعات والاستجابة لها ودعم التماسك المجتمعي.
ولم يتوقف النقاش عند الأدوات التقليدية، بل وصل إلى التكنولوجيا ومستقبل ممارسة الوساطة.
فقد تناول الدكتور علاء الدين دويكات، الأستاذ المساعد والمدرب والمستشار المعتمد في الذكاء الاصطناعي، موضوع الذكاء الاصطناعي كمدرب شخصي للوسيط الشاب، في طرح استكشف إمكانات توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير مهارات الوسطاء الشباب، ودعم قدراتهم في التحليل والتواصل والاستعداد لجلسات الوساطة.
مشروع ينتهي.. ومسار يستمر
في ختام المؤتمر، بدت الصورة أوسع من مجرد انتهاء مشروع أو انعقاد فعالية. فقد جمع المؤتمر بين القضاء والقانون، والجامعات، والمؤسسات المجتمعية، والخبراء والوسطاء، والشباب، وفتح نقاشًا متعدد الزوايا حول واحدة من القضايا الأكثر ارتباطًا باستقرار المجتمع: كيف يمكن بناء طرق أكثر سلمية وفاعلية للتعامل مع الخلافات والنزاعات؟
وعلى امتداد جلساته، وضع المؤتمر التجارب الفلسطينية في مجال الوساطة إلى جانب التحديات التي تواجهها، وناقش دور المؤسسات الأكاديمية والقانونية والمجتمعية، وفتح مساحة خاصة للشباب باعتبارهم وسطاء وبناة سلام، وصولًا إلى استكشاف أدوات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي.
ويأتي ذلك في صلب توجه المركز الفلسطيني لتسوية النزاعات ACT، الذي يعمل على تعزيز ثقافة الوسائل البديلة لحل النزاعات، وتطوير الوساطة كأداة للحوار وتسوية النزاعات، ودعم المعرفة والقدرات المرتبطة بها.
وبصفته الجهة المنفذة لمشروع الوساطة كأداة لبناء السلام المجتمعي والقائم على ترتيبات وتنظيم المؤتمر، يختتم ACT هذه المحطة بالتأكيد على مواصلة العمل من أجل تطوير قدرات الوسطاء، وتعزيز مشاركة الشباب، وتوسيع الشراكات بين المؤسسات والجهات العاملة في مجال حل النزاعات وبناء السلام.
فالمعادلة التي حملها المؤتمر في ختامه تتجاوز فكرة أن الوساطة هي فقط وسيلة لإنهاء خلاف.
فالوساطة تبدأ من لحظة نختار فيها الحوار بدل التصعيد، وتكبر عندما تصبح ثقافة، وتتحول إلى أثر عندما يشارك المجتمع كله في بناء السلام.