بناء قدرة محلية لحل النزاعات داخل مخيمات الإيواء في غزة
في بيئة تتزايد فيها الاحتكاكات اليومية، وتتعرقل فيها سبل الوصول إلى آليات العدالة التقليدية، تصبح القدرة على إدارة النزاعات داخل المجتمعات المحلية أكثر من مجرد مهارة؛ بل حاجة أساسية للحفاظ على التماسك الاجتماعي وحماية حقوق الفئات الأكثر هشاشة.
من هذه الحاجة انطلقت مبادرة «بناء خلايا توعية في مخيمات الإيواء بمدينة غزة: تأهيل إدارات المخيمات والناشطين/ات الحقوقيين/ات على الوساطة والحل السلمي»، التي دُعمت من مؤسسة ACT لحل النزاعات، ونُفذت بقيادة محمد عمر شهاب، تحت مظلة المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات (PCDCR).
لم تستهدف المبادرة تقديم جلسات توعية مؤقتة فحسب، بل قامت فكرتها الأساسية على بناء قدرة محلية تبقى داخل مخيمات الإيواء بعد انتهاء التمويل. ولذلك، ركزت على فئتين لهما حضور مباشر في الحياة اليومية للمخيمات: إدارات المخيمات، بما تمتلكه من وصول وتأثير مجتمعي، والناشطون/ات الحقوقيون/ات، بما لديهم من خبرة في رصد القضايا الحقوقية وتوثيقها.
من التدريب إلى بناء خلايا التوعية
بدأت المبادرة بتأهيل 13 مشاركًا/ة من إدارات مخيمات الإيواء والناشطين/ات الحقوقيين/ات، من خلال تدريب متخصص امتد على مدار 15 ساعة تدريبية.
وتناول التدريب مفاهيم النزاع ومساراته، والوسائل البديلة لحل النزاعات، بما يشمل التفاوض والوساطة والتوفيق والتحكيم، إلى جانب مهارات الوساطة، ومبادئ عدم إلحاق الضرر، وحدود التدخل، والتطبيقات العملية.
ولم يقتصر التدريب على الجانب النظري، إذ تضمن محاكاتين عمليتين مستمدتين من واقع مخيمات النزوح. تمثلت الأولى في جلسة وساطة كاملة حول خلاف بين أسرتين بشأن استخدام مساحة مشتركة، فيما تناولت الثانية محاكاة تحكيمية حول نزاع متعلق بملكية مرافق مشتركة.
وأظهرت نتائج الاختبار القبلي والبعدي تطورًا واضحًا في مستوى المعرفة؛ فقد ارتفع متوسط درجات المشاركين من 8.38 إلى 9.54 من 10، كما ارتفعت نسبة من حققوا معيار النجاح من 92% إلى 100%.
وكان التحسن أكثر وضوحًا في المفاهيم المتخصصة؛ إذ ارتفعت المعرفة بموضع التحكيم المناسب من 46% إلى 85%، فيما ارتفعت المعرفة بحدود نطاق التدخل، وعدم التوسط في قضايا الميراث والحضانة، من 69% إلى 100%.
ست خلايا تنقل المعرفة إلى المخيمات
بعد انتهاء التدريب، انتقل المشاركون/ات من موقع المتلقين للمعرفة إلى موقع الميسّرين/ات؛ حيث توزع 12 خريجًا/ة على ستة أزواج، لتشكيل ست خلايا توعية تولت تنفيذ ورش ميدانية داخل مجتمعاتها.
ونفذت الخلايا 6 ورش توعية، شارك فيها 144 شخصًا/ة، بينهم 85 سيدة و59 رجلًا. وخصصت 4 ورش من أصل 6 للنساء، بما يعكس استجابة المبادرة للاحتياجات الخاصة بالنساء في بيئة النزوح، وحرصها على توفير مساحات أكثر أمانًا وخصوصية للمشاركة.
وتناولت الورش موضوعات الوساطة والتحكيم، والحوار والإنصات، والوسائل البديلة لحل النزاعات، مع استخدام أمثلة مستمدة من واقع المخيمات ومحاكاة مواقف نزاع حقيقية، بدل الاكتفاء بالمحتوى النظري.
وفي إحدى الورش، على سبيل المثال، جرى تقديم نموذج مبسط لنزاع حول دور طابور تعبئة المياه بين عائلتين، انتهى بالتدخل عبر الوساطة والوصول إلى حل للنزاع. وفي ورشة أخرى، طُبقت خطوات الوساطة والتحكيم على حالات واقعية ضمن مجموعات عمل.
كما شكلت ورشة مخيم حالوة مساحة مهمة للتواصل مع البنية المجتمعية القائمة، حيث شارك فيها 29 رجلًا، بينهم وجهاء ورجال إصلاح وممثلون عن إدارة المخيم، إضافة إلى مدير تجمع مخيمات حالوة الذي يضم 12 مخيمًا.
حماية الفئات الأكثر هشاشة
ارتبطت المبادرة منذ البداية بهدف يتجاوز نشر المعرفة إلى تعزيز حماية الفئات الأكثر هشاشة وصون كرامتها، وفي مقدمتها الأرامل والأيتام والنازحون وذوو الإعاقة.
ولهذا، ركز التدريب على حدود تدخل الوسيط، ومتى يجب عدم التدخل أو الإحالة إلى الجهات المختصة، خصوصًا في القضايا الحساسة مثل الميراث والحضانة. وارتفعت معرفة المشاركين/ات بهذه الحدود من 69% إلى 100%.
كما تضمنت الحملة الرقمية المصاحبة رسائل حول حماية الأضعف والسرية والإحالة، بما يعزز نهج عدم إلحاق الضرر عند التعامل مع النزاعات المجتمعية.
رضا كامل وانتقال الأثر إلى المجتمع
لم يتوقف قياس نجاح المبادرة عند عدد الأنشطة والمستفيدين؛ إذ أظهرت استبانة رضا شملت عينة من 32 مستجيبًا/ة أن نسبة الرضا بلغت 100%، بمتوسط 4.74 من 5.
وكان أعلى تقييم مرتبطًا بوضوح شرح الميسرين/ات وقرب أمثلتهم من واقع المخيم، حيث بلغ التقييم 4.91 من 5. كما أجريت 10 مقابلات تغذية راجعة مع عينة متنوعة من المشاركين، نصفها من النساء.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة؛ لأنها تشير إلى أن التدريب لم يبقَ داخل قاعة التدريب، بل انتقل أثره إلى الميدان، إذ كان أداء الخريجين/ات أنفسهم في الشرح والتيسير من أعلى الجوانب التي قيّمها الحضور.
المعرفة تصل أيضًا عبر المنصات الرقمية
رافقت التنفيذ حملة رقمية هدفت إلى توسيع نطاق الرسائل خارج دائرة المستفيدين المباشرين، وشملت فيديو توعويًا بصيغة موشن جرافيك وخمسة بوسترات توعوية، إلى جانب حملة ممولة عبر الصفحتين الرسميتين للمركز على فيسبوك وإنستغرام.
وخلال شهر التنفيذ، حققت الحملة 111 ألف وصول، وأكثر من 212.4 ألف مشاهدة، إضافة إلى 38,252 تفاعلًا، فيما بلغ عدد المشاهدات الكاملة للفيديو التوعوي 13,833 مشاهدة.
وهكذا، جمعت المبادرة بين مسارين متكاملين: بناء المعرفة والقدرة داخل المخيمات، وتوسيع نطاق الرسالة عبر الفضاء الرقمي.
من مبادرة مؤقتة إلى نموذج قابل للتوسع
تكمن أهمية «بناء خلايا التوعية» في أنها لم تتعامل مع التوعية باعتبارها نشاطًا ينتهي بانتهاء التمويل، بل بنت نموذجًا يقوم على وجود أشخاص مؤهلين داخل المجتمع، قادرين على مواصلة نقل المعرفة.
فقد أصبحت الخلايا الست جزءًا من مجتمعاتها المحلية، كما امتد أثر المبادرة إلى خارج نطاق المخيمات المستهدفة، من خلال تواصل مدير تجمع مخيمات حلاوة مع المبادرة، وتواصل مندوب أحد مخيمات محافظة خانيونس مع المركز بعد متابعته للحملة الرقمية.
وفي الوقت نفسه، أظهر الإقبال على ورش التوعية والتفاعل مع الحملة الرقمية أن الطلب المجتمعي على هذا النوع من المعرفة تجاوز القدرة الاستيعابية للمبادرة، وهو تحدٍ يكشف، في الوقت ذاته، عن فرصة حقيقية لتوسيع النموذج مستقبلًا.
لقد قدمت المبادرة، بدعم من ACT لحل النزاعات وتنفيذ محمد عمر شهاب تحت مظلة PCDCR، نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل الوساطة والوسائل البديلة لحل النزاعات من مفاهيم متخصصة إلى معرفة يمتلكها أفراد من المجتمع ويستخدمونها في التعامل مع خلافاته اليومية.
وفي سياق مخيمات الإيواء، حيث تتقاطع محدودية الموارد مع الاحتكاك اليومي وتزايد الحاجة إلى حلول سريعة وسلمية، فإن الاستثمار في أشخاص من داخل المجتمع قادرين على الاستماع، وإدارة الحوار، وفهم حدود التدخل، وإحالة القضايا الحساسة لا يمثل فقط نشاطًا توعويًا، بل خطوة نحو بناء قدرة محلية يمكن أن تستمر وتتوسع بعد انتهاء المبادرة.
فالهدف لم يكن أن يعرف الناس ما هي الوساطة فقط، بل أن يصبح داخل المجتمع من يعرف كيف يفتح مساحة للحوار عندما يبدأ النزاع.