قصة نجاح من مبادرة جسور الحوار بتنفيذ من: رانية جودة – غزة
حين يتحول الاستماع إلى مبادرة مجتمعية
خلال إحدى جلسات التوعية المجتمعية التي نُفذت في مخيم أنصار ضمن مبادرة «جسور الحوار»، لم يكن النقاش مجرد حديث عن الوساطة وحل النزاعات، بل أصبح مساحة للاستماع إلى ما يعيشه أفراد المجتمع يوميًا.
في تلك الجلسة، شاركت إحدى المعلمات، التي تعمل في مدرسة تخدم أطفال المخيم، تجربتها اليومية مع الأطفال، وتحدثت عن مجموعة من المشكلات التي يواجهونها نتيجة الضغوط والخلافات الأسرية داخل الخيام.
وأشارت إلى أن بعض الأطفال يتأثرون بشكل واضح بهذه الظروف، وأن أحد الأطفال، على وجه الخصوص، أصبح يلجأ إلى المدرسة ويقضي فيها معظم وقته، هروبًا من الأجواء الأسرية الصعبة داخل الخيمة.
لم تمر القصة مرورًا عابرًا. فقد أثارت نقاشًا بين المشاركين وسفراء الحوار حول العلاقة بين الخلافات الأسرية وما يتركه من أثر على الأطفال، وحول الدور الذي يمكن أن يؤديه المجتمع في توفير مساحة أكثر أمانًا واحتواءً لهم.
لكن الأهم أن النقاش لم يتوقف عند تشخيص المشكلة.
بدأ سفراء الحوار، بالتعاون مع المشاركين، في التفكير فيما الذي يمكن فعله؟ وكيف يمكن تحويل هذه الملاحظة إلى خطوة عملية تستند إلى الأشخاص والموارد الموجودة داخل المخيم نفسه.
ومن هنا ظهرت فكرة تشكيل لجنة مجتمعية صغيرة، تكون امتدادًا لنواة سفراء الحوار، وتضم عددًا من السيدات الفاعلات في المجتمع، من بينهن المعلمة التي طرحت المشكلة، وممرضة تعمل في نقطة طبية داخل المخيم، إلى جانب طالبتين جامعيتين نازحتين.
تتمثل مهمة هذه المجموعة في فتح مساحة للحوار مع الأمهات والأسر، والاستماع إلى المشكلات التي تواجههم داخل الخيام، ومناقشتها بطريقة هادئة وآمنة، والبحث عن حلول ممكنة تساعد على الحد من تأثير الخلافات والضغوط الأسرية على الأطفال وأفراد الأسرة.
«بدأنا الجلسة بالاستماع إلى مشكلة، وانتهينا بفكرة يمكن أن تساعد المجتمع على التعامل معها. وهذا جعلنا نشعر أن الحوار ليس مجرد حديث، بل يمكن أن يكون بداية لحل حقيقي.»
— إحدى المشاركات في جلسة التوعية
تكمن أهمية هذه التجربة في أن المشاركين لم يكتفوا بالتعرف على مفاهيم الوساطة وحل النزاعات، بل مارسوا إحدى أهم مهاراتها بالفعل: الاستماع إلى المشكلة، وفهمها، ثم التفكير مع المجتمع في الحل الممكن.
وهنا ظهر أحد أبرز أبعاد مبادرة «جسور الحوار»: أن الحوار يمكن أن يتجاوز حدود الجلسة التوعوية ليصبح وسيلة لاكتشاف الاحتياجات المجتمعية، وبناء استجابات تستند إلى قدرات الأشخاص الموجودين داخل المجتمع نفسه.
ففي مخيم أنصار، بدأت القصة من ملاحظة طرحتها معلمة حول طفل يبحث عن الأمان في مدرسته، لكنها تحولت، من خلال الحوار والاستماع، إلى فكرة لتدخل مجتمعي يمكن أن يفتح مساحة أكبر للأسر والأمهات والأطفال للتعبير عن مشكلاتهم والبحث عن حلول لها.
لأن الحلول المجتمعية لا تبدأ دائمًا بمشروع كبير؛ أحيانًا تبدأ بقصة يرويها شخص واحد، وبمجموعة تختار أن تستمع، ثم تسأل: ماذا يمكننا أن نفعل؟