حين تصبح الوساطة أكثر شمولًا: اليوم الأول من برنامج مسارات العدالة الشاملة

حين تصبح الوساطة أكثر شمولًا: اليوم الأول من برنامج مسارات العدالة الشاملة
10 أيلول 2026

لا تبدأ العدالة من لحظة الوصول إلى الحل، بل تبدأ من القدرة على الوصول إلى مسار الحل والمشاركة فيه بصورة فعلية. ومن هنا يبرز سؤال أساسي في تصميم عمليات الوساطة وحل النزاعات: هل آليات الوساطة متاحة ومهيأة لجميع الأشخاص، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة؟

انطلاقًا من هذا السؤال، ركّز اليوم الأول من برنامج التدريب المكثف ضمن مشروع «مسارات العدالة الشاملة: تعزيز تسوية النزاعات الشاملة للأشخاص ذوي الإعاقة على بناء فهم أعمق للوساطة الشاملة، ووضع احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة في صميم عملية تسوية النزاعات.

من فهم الإعاقة إلى إعادة التفكير في الوساطة

بدأ البرنامج بالتعريف بمفهوم الإعاقة، وأسبابها وأنواعها وتأثيراتها على الأفراد، قبل الانتقال إلى مناقشة الأطر النظرية المختلفة لفهم الإعاقة. وتناول التدريب النموذج الخيري والفردي والاجتماعي، إلى جانب التوجه الحقوقي والتنموي، مع التركيز على العلاقة بين طريقة فهم الإعاقة وأشكال التدخل ومستوى الشمول الذي يحصل عليه الأشخاص ذوو الإعاقة.

وهنا تكمن أهمية هذه المقاربة؛ فالنظر إلى الإعاقة من منظور مختلف لا يغيّر فقط المصطلحات المستخدمة، وإنما يمكن أن يغيّر أيضًا الطريقة التي يتم بها تصميم الخدمات والعمليات التي يصل إليها الأشخاص ذوو الإعاقة، بما فيها آليات الوساطة.

الوساطة لا تعني فقط وجود طرف ثالث

في سياق تسوية النزاعات، لا يكفي أن يكون الوسيط موجودًا وأن تكون جلسة الوساطة متاحة من الناحية الشكلية. فعملية الوساطة تحتاج إلى أن تكون قادرة على الاستجابة للعوائق التي قد تحد من مشاركة أحد أطراف النزاع.

ولهذا ناقش التدريب مجموعة من التحديات المرتبطة بالبيئة المادية والاجتماعية والمؤسسية، إضافة إلى طرق التواصل والتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقات المختلفة. وشملت الموضوعات كيفية التعامل والتواصل مع الأشخاص الصم، والأشخاص ذوي الصعوبات الحركية والذهنية والبصرية، وكيفية الاستعداد لإدارة جلسات وساطة يشارك فيها أشخاص من ذوي الصعوبات المختلفة.

وهذا يعني أن الوساطة الشاملة تتطلب من الوسيط أن يفكر ليس فقط في ماذا سيقال داخل الجلسة، وإنما في قدرة جميع الأطراف على الوصول والمشاركة والتعبير عن احتياجاتهم ومصالحهم.

من الإتاحة إلى المشاركة الفعلية

توفير إمكانية الوصول هو خطوة أساسية، لكنه ليس بالضرورة نهاية الطريق. فالمشاركة الفعلية تتطلب الانتباه إلى طريقة التواصل، والبيئة التي تعقد فيها جلسة الوساطة، وطبيعة الدعم الذي قد يحتاجه أحد الأطراف، وكيفية إدارة الحوار بما يضمن عدم إقصاء أي طرف بسبب حاجز مادي أو اجتماعي أو مؤسسي.

ومن هذا المنطلق، تناول اليوم الأول من التدريب كيفية الاستعداد لتنظيم وإدارة جلسات وساطة يشارك فيها أشخاص ذوو إعاقات مختلفة، بما يعزز قدرة الوساطة على التعامل مع التنوع بين أطراف النزاع.

الحقوق جزء من عملية الوساطة

لم يتوقف التدريب عند الجوانب العملية، بل تناول أيضًا الإطار التشريعي الناظم لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في حالات النزاع والوساطة، من خلال مراجعة التشريعات الوطنية والدولية ذات الصلة.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأن بناء وساطة شاملة لا يرتبط فقط بتحسين مهارات التواصل، بل يرتبط أيضًا بفهم الحقوق والالتزامات والمبادئ التي تحكم التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة.

العدالة الشاملة تبدأ من داخل العملية

يضع اليوم الأول من البرنامج أساسًا لفكرة رئيسية: لا يمكن الحديث عن عدالة شاملة من دون التفكير في شمول الأشخاص ذوي الإعاقة داخل مسارات تسوية النزاعات نفسها.

فالوساطة، باعتبارها مسارًا للحوار والوصول إلى حلول للنزاعات، تحتاج إلى أن تكون قادرة على استيعاب الاختلاف بين أطرافها، وأن تتعامل مع الإعاقة من منظور قائم على الحقوق والمشاركة، وليس من منظور الحواجز أو الصور النمطية.

ومن هنا، فإن تطوير قدرات العاملين في مجال الوساطة على فهم الإعاقة والتواصل الملائم والاستعداد لجلسات وساطة أكثر شمولًا يمثل خطوة باتجاه جعل الوصول إلى العدالة أكثر إنصافًا، وتحويل مفهوم العدالة الشاملة من مبدأ نظري إلى ممارسة داخل عملية تسوية النزاعات.