الإصلاح القضائي في زمن وباء الكورونا.. لماذا نحن بحاجة إلى أتمتة وتطوير عمل الجهاز القضائي؟

الإصلاح القضائي في زمن وباء الكورونا.. لماذا نحن بحاجة إلى أتمتة وتطوير عمل الجهاز القضائي؟
24 آذار 2020

كتب: المحامي فادي عباس


لعل المترقب لحالة الإرباك التي رافقت العملية القضائية في الأيام القليلة الماضية لا سيما مسألة المدد القانونية بما في ذلك مدد تقديم الإستئناف والطعون والتوقيف تظهر جلياً لكافة المشتغلين في المجال القانوني بشكل عام وبالتحديد المحامي الفلسطيني أن منظومة العمل القضائي في دولة فلسطين تحتاج إلى مراجعة شاملة وأساسها تجاوز حالة الإغراق في الشكليات المقيتة وآلية العمل التقليدي والتي أرهقت العدالة وأصبحت عاملاً رئيسا في تعطيل مفهوم "الوصول إلى العدالة الناجزة".

ولكي نكون منصفين من الثابت أن هذا الخلل البنيوي والنمطية المفرطة في العمل القضائي هي وليدة حالة ونظام قانوني وقضائي موروث، وأن أياً من مجالس القضاء الأعلى -مع الإحترام- منذ تأسيس المجلس وحتى هذا التاريخ وبشكل متفاوت ولأسباب متفاوتة لم يستطع إحداث إختراق حقيقي في إعادة الإعتبار البنيوي والحيوية المطلوبة للعمل القضائي الفلسطيني بما يكرس فعلاً مفهوم "الوصول إلى العدالة الناجزة".

والمقصود والحالة هذه في الإغراق بالشكليات هو بالتحديد الإجراءات المتبعة أمام القضاء في الدعاوى بمشتقاتها المدنية والجزائية والتنفيذية. ولعل أحد أسباب حالة الإغراق يعود لطبيعة النظام القانوني الموروث في دولة فلسطين بما في ذلك جملة التشريعات النافذة.

وفي هذا الإطار، ومن ناحية عملية بحتة نجد أن المسار الطبيعي للدعوى المدنية يبدأ من تسجيل الدعوى لدى ما يسمى "قلم المحكمة" بعد دفع الرسم القانوني في ما يسمى "صندوق المحكمة"، ومن ثم تنتقل الدعوى إلى مرحلة الجلسات، ولا أبالغ مطلقاً إذا أبديت أنه ومن تاريخ تسجيل الدعوى بعد المرور بمرحلتي القلم والصندوق وحتى البدء فقط في تقديم الجهة المدعية البينة قد يستغرق الأمر أربعة أو ستة أشهر على الأقل ما بين تبليغ الأطراف بعد التسجيل ومن ثم ما يطبق عليه بـ "تكرار اللوائح" من قبل أطراف الدعوى. ولا أبالغ أيضاً أن المسار الحالي لأمد التقاضي قد يستغرق سنوات وسنوات حتى صدور قرار عن محكمة أول درجة ما بين قيام كل طرف في الدعوى بتقديم بيناته الكتابية والشفوية أحياناً في مدة تتجاوز سنتين أو أكثر لكل طرف، ناهيك عن المهلة الخاصة بالمرافعات.

أمام هذا الواقع  أتساؤل وبشكل عفوي عن المعيقات الشكلية الرئيسية التي تتسبب في طول أمد التقاضي سيما أن الإجراءات المطبقة تعكس بشكل أو بآخر نص القانون النافذ، وأثر ذلك على ثقة المواطن الفلسطيني وجمهور المتقاضين؟

أمام هذه الحالة المستعصية لابد من التفكير بشكل جريء ومنفتح على التقدم التكنولوجي كآداة للخروج من وحل الشكليات المقيتة المتبعة في العمل القضائي والتي أصبحت بكل أسف مدعاة للسخرية المجتمعية في بعض الأحيان.

وبالتالي لابد من كسر الجمود القائم في محاولات الإصلاح القضائي التي تعتمد على تفكير تقليدي نمطي للإصلاح والتي لا يمكن أن تحقق وهذه المعطيات الإصلاح المطلوب أو المرجو منها. وبناءاً عليه فإنه وإلى جانب الضرورة الملحة لتنمية قدرات الكادر القضائي والإداري الفلسطيني ضمن رؤية مأسسة حقيقية لمنظومة التعليم المستمر بما في ذلك تكريس القضاء المتخصص، فإنه يتوجب أتمتة العمل القضائي الفلسطيني المغرق في الشكليات التي تصلح لتحقيق العدالة الناجزة المرجوة كآدوات رئيسية للنهوض في الواقع القضائي الفلسطيني.

وأمام هذه الحالة فإنني أتوجه بالتساؤلات الآتية التي أعتقد أنها أصبحت عاملاً رئيسياً في إطالة أمد التقاضي وتمس هيبة القضاء الفلسطيني:

• ما هي العبرة والإنتاجية والعدالة من اضاعة نصف عام من عمر الدعوى القضائية حتى يقوم المتخاصمين بإتخاذ ما يسمى بإجراء "تكرار اللوائح" دون بدء القاضي في سماع البينة؟. • فيما يتعلق في البينات، ما هي الحكمة من اتاحة القانون مدة غير محددة ومفتوحة لقيام أطراف الدعوى من تقديم بيناتهم الكتابية، وما هي العبرة عدالة أيضاً من ضرورة تقديمها في جلسات علنية في ظل واقع أن الهيئة الحاكمة يمثل بين يديها عشرات الملفات في ذات اليوم وبحالة اختناق بحضور الخصوم ووكلائهم الذي قد يصل إلى وجود ما لا يقل عن خمسة عشر شخص في غرفة لا تتعدى مساحتها الكلية خمسة عشر متر مربع عدا عن من ينتظر على الأبواب وفي الممرات؟ • فيما يتعلق في مرحلة المرافعات، فالسؤال العملي لماذا يستدعي حضور الأطراف إلى جلسة لقيام وكيل أحد الأطراف لتقديم مرافعة خطية مكتوبة لا تتاح له في أغلب الإحيان سردها بسبب ضغط العمل أمام الهيئة الحاكمة؟ • فيما يتعلق بالتنفيذ، نلاحظ جميعنا حجم الضغط والتدافع الغير مقبول لدى مراجعة أطراف الدعوى التنفيذية ووكلائهم للملف التنفيذي أو تقديمهم لأحد الطلبات التنفيذية على نحو أصبح يمس هيبة العدالة وسموها في الدولة. • فيما يتعلق بالشكاوى الجزائية، ما هي العبرة من احالة كافة الجنح والمخالفات إلى محكمة الصلح في ظل أن نظر دعوى جنحوية بسيطة قد تستغرق سنوات أمام القاضي المختص وهل يحقق ذلك العدالة أو الردع المطلوب؟ هذا الغلو في الإجراءات يعني بالضرورة أن أطراف المحاكمة من متقاضين ووكلائهم ونيابة عامة وهيئة حاكمة يعملون جميعاً تحت وطأة الضغط الشديد والفوضى العارمة، لا سيما السادة القضاة الذين لا يمكن لهم بأي حال من الأحوال والواقع المعاش قيامهم بتمحيص القضايا الماثلة أمامهم وفق المطلوب الذي يحقق العدالة المرجوة تحت هذه الوطأة فهم في نهاية المطاف بشر مثلنا.

وأمام هذه التحديات والمعيقات التي أصبحت تمس هيبة القضاء وسمعته لا بد من اتخاذ خطوات جريئة وواقعية تخرجنا من حالة الترهل السائد وتدفع بإتجاه منظومة قضائية فاعلة وحيوية تلبي احتياجات العدالة الحقيقية بعيداً عن التنظير والمكابرة والمزاودة، وتتيح للجميع (محامون، قضاة، نيابة عامة، وكادر إداري) للعمل في بيئة مهنية ملائمة وتحفظ كرامة المحامي وكافة أطراف العدالة، وبهذا فإنني أقترح الآتي:

أولاً: تعديل كافة التشريعات ذات العلاقة بما في ذلك التشريعات الإجرائية والتي تتصل بإجراءات المحاكمة والتنفيذ فيما يتعلق بإلغاء أو تعديل كل نص من شأنه إطالة أمد الدعوى، لتحقيق: • تقييد أطراف الدعوى بتقديم البينات بالتزامن مع تقديم اللائحة بشكل أساسي، ما لم يكن هناك استثناء قانوني. • اعتماد التصريح المشفوع بالقسم كبديل عن دعوة الشاهد ما لم ترى المحكمة خلاف ذلك بشكل استثنائي.

ثانياً: بالإنسجام مع ما ورد أعلاه، انشاء وتحديث منظومة ربط الكتروني متطورة ما بين مكتب المحامي/ المحامين والمحاكم، بما في ذلك ايجاد كافة الأنظمة اللازمة لتحقيق هذه الغاية ومن ضمنها إقرار نظام المعاملات الإلكترونية الذي يقر من خلاله اعتماد توقيع الكتروني لكل محامي مزاول، واجراء كافة التعديلات التشريعية اللازمة لإتاحة ذلك قانوناً وتحقيق الآتي: • اتاحة خيار الدفع الإلكتروني عن الرسوم القضائية كبديل لحالة التكدس الغير مقبولة أمام صناديق المحاكم والتي أصبحت تشكل امتهان لمظهر العدالة أولاً وكافة المراجعين بما فيهم الزملاء المحامين. • اتاحة خيار التسجيل الإلكتروني للدعاوى، كبديل لحالة التكدس أيضاً أمام الأقلام. • اتاحة خيار تقديم البينات الخطية والمرافعات من خلال نظام الربط الإلكتروني دون الحاجة إلى عقد جلسات وتأجيلات لا طأل لها. • اتاحة خيار تقديم الطلبات التنفيذية والإستئنافات والطعون من خلال نظام الربط الإلكتروني. • اتاحة خيار تلقي الأحكام القضائية الكترونياً. • اتاحة خيار التبليغ الإلكتروني من خلال نظام الربط.

ثالثاً: ضرورة منح جهاز الشرطة المدنية صلاحية الفصل في المخالفات والجنح البسيطة التي لا تتجاوز عقوبتها الغرامة لتخفيف العبء على عمل النيابة العامة والقضاء، من خلال تمثيل المتهم/ المشتكى عليه من قبل المحامي الوكيل دون اشتراط حضوره. لعل البعض وهو محق يتساءل أن هذه الإقتراحات لا تفي الغاية المطلوبة، وقد ينظر لها البعض الآخر على أنها إنقلاب على النظام القانوني السائد ويستدعي ثورة تشريعية، إلا أن الحقيقة المطلقة أن السير قدماً بتبني هذه المقترحات أو ما يرادفها هو الأمر الضروري والحتمي للخروج من حالة التيه والترهل نحو بناء منظومة قضائية فاعلة وحيوية قادرة على تلبية احيتاج العدالة.

ولعل الأزمة التي نعيشها حالياً بإنتشار الوباء اللعين والتخبط القائم في عمل الجهاز القضائي ومخاوف وتساءلات الزملاء المحامين والمتقاضين يظهر مدى انتاجية ضرورة تبني هكذا تصور لا سيما أن أغلب العمل القضائي تحديداً في الجانب القضائي المدني والتجاري والتنفيذي بالإمكان الإستمرار به وفق هذه الرؤية دون الحاجة لعقد جلسات المحاكمة التي أصبحت عبئاً على المتقاضين.

إن النهوض بالحالة القضائية الفلسطينية الموجودة تتطلب حقيقة ثورة على الذات بأيادي وعقول متنورة شابة للخروج من فلك التفكير التقليدي والإنطلاق بخطوات جريئة قد تبدو للوهلة الأولى غريبة عن نظامنا القانوني، ولكن دوما المخاض عسير ولا بد منه، خاصة أن الغاية هي تحقيق العدالة الناجزة لنا كمواطنين أولاً، وخلق بيئة تقاضي جاذبة للإستثمار، والمساهمة دوما في تعزيز اعتبار دولة فلسطين أمام المجتمع الدولي في ظل الهجمة الإحتلالية المسعورة التي لا تنفك يوماً في محاولة طمس أي انجاز فلسطيني.

آملين ومتضرعين إلى الله عز وجل أن يحمي شعبنا من هذه المحنة، وأن يستعيد لحمته الوطنية بما في ذلك الوصول إلى مجلس تشريعي فاعل، والخلاص من دنس الإحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.